المكتبة الاسلامية

كل مايخص الاسلام
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 تفسير سورة الفاتحة1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 250
تاريخ التسجيل : 30/08/2017

مُساهمةموضوع: تفسير سورة الفاتحة1   الأحد سبتمبر 03, 2017 12:21 am

تفسير سورة الفاتحة

عن أبِي هريرة رضي اللَّه عنه، قَال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (أُمُّ القُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ) صحيح البخاري.
وذلك لأنها تضمنت معاني القرآن العظيم، واشتملت على أصول الدين وفروعه، وتناولت التعريف بالمعبود وصفاته والثناء عليه وذكر أصول أسمائه الحسنى، وتفويض الأمور إليه، والتبرؤ من الحول والقوة، والإيمان بالبعث، وإثبات الجزاء وأنه بالعدل، وإخلاص القصد والطلب لله، وأن جميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وأن العبد فاعل حقيقة، ليس مجبورا على أفعاله، وتعليم الخلق التوسل، وإرشادهم إلى طلب الهداية إلى الصراط المستقيم وتثبيتهم عليه، ولا يستطيعون أن يدركوا ذلك إلا بمعرفة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه، وترغيبهم في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، واطِّلَاعهم على أخبار الْأمم السالفة ليعلموا سعادة من أطاعه وشقاوة من عصاه، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها، والرد على جميع المبطلين من أهل الملل والنحل، والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة؛ وكل ذلك جاء بألفاظ حسنة ومقاطع مستحسنة وسياق جميل في قمة البلاغة. فنبّه سبحانه في الفاتحة على جميع مقاصد القرآن، وهذا هو الغاية في براعة الاستهلال.

وعن أبِي هريرة رضي اللَّه عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ قَالَ: " هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ " صحيح مسلم.

وجاء هذا الحديث بلفظ: "فَإِذَا قَالَ: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي أَوْ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، قَالَ: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، قَالَ: فَهَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ - وَقَالَ مَرَّةً: مَا سَأَلَنِي - فَيَسْأَلُهُ عَبْدُهُ: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، لَكَ مَا سَأَلْتَ - وَقَالَ مَرَّةً: وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَنِي " صححه أحمد شاكر وشعيب الأرناؤوط في تحقيقهما لمسند أحمد

فهذا الحديث يدل على أنَّ الله يستمع لقراءة المصلي حيث كان مناجيا له، ويرُدُّ عليه جواب ما يناجيه به كلمة كلمة؛ وإنّه لعَارٌ علينا، أن يرد علينا رب العالمين جواب ما نناجيه به، ونحن عما نناجيه به لاهون غافلون، فأسعد الناس حظا بهذه السورة من قرأها بتدبر وخشوع وعمل بمقتضاها، فقد قال المَلَكُ للنبي صلى الله عليه وسلم: "أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أَعْطيته" صحيح مسلم؛ فهما نور لقارئهما يومَ القيامة، وتُرشدانه وتهديانه بالتأمُّل فيهما والتفكر في معانيهما إلى الطريق القويم، ويُعطى تاليهما ثواب ما اشتملتا عليه من عبادة ومسألة.

وقوله "قسمت الصلاة" يعني: الفاتحة، سماها صلاة لأنها دعاء، "بيني وبين عبدي نصفين": فنصفها الأول دعاء عبادة بالثناء على الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، ونصفها الآخر دعاء مسألة بطلب الحاجات منه سبحانه،فدعاء العبادة يتضمن دعاء المسألة ودعاء المسألة يستلزم دعاء العبادة. فدعاء العبادة هو كل ما كان من إخلاص وخوف ورجاء ومحبة وتوكل وذكر وصلاة وزكاة وصيام وحج وغير ذلك، يثاب العبد عليه في الآخرة، مع ما يحصل له من خير في الدنيا. وسُمي دعاء لأنّ صاحبه داع بلسان حاله، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 218]؛ ودعاء المسألة هو أن يطلب العبد من ربه جلب مرغوب، أو دفع مرهوب، فيُثاب عليه إذا كان مما يحبه الله، وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة، وقد يكون سببا لضرر في دينه، فيعاقب على ما ضَيّعه من حقوق الله تعالى.

الاستعاذة:
قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [النحل:98]، فالاستعاذة قبل القراءة تخلية قبل تحلية، وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله.
﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: بسم: أصلها باسم، كقوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ وَأُسقط الألف من الِاسم طلبًا للخِفّة لكثرة استعمالها، والباءُ في بِسْمِ اللَّهِ لِلِاستعانَة وطلب البركة، قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: (78)]. وعن عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ " صحيح الترمذي؛ كما أنّ الباء في "بسم الله" للحصر،لأن تأخير العامل يفيد الحصر، أي لا أبدأ ولا أعمل مستعينا إلا بالله.

قالت طائفة من أهل العلم: البسملة من الفاتحة، واستدلوا بالحديث الذي رواه أَبِو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " إِذَا قَرَأتُمُ: ﴿ الْحَمْدُ للهِ ﴾، فَاقْرَءُوا: ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ إنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ ، وَأُمُّ الْكِتَابِ ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي وَ ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ إحْدَى آيَاتِهَا" الصَّحِيحَة. فعلى هذا القول: الإتيان بها من العبادات الواجبة، والاستعانة هي مضمونها، فتكون واجبة به تعالى.
وقالت طائفة أخرى هي آية من القرآنفاصلة بين السور، واستدلوا بالحديث المذكور آنفا " قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي"، قالوا ولم يذكر فيه البسملة، بل ابتدأ بالحمد، وعلى هذا القول: يكون الإتيان بها مستحباً والاستعانة بالله واجبة لا بخصوص هذا اللفظ.

ثم قالوا: إن المتعلق يتعين أن يُقدَّر مؤخراً لإفادة الحصر والاختصاص، وهذا يدل على القول بوجوب الاستعانة، لأن ما اختص به تعالى واستحقه دون ما سواه لا يصرف لغيره، وتقديم المتأخر وتأخير المتقدم يقتضي الحصر، فهذان موضعان يدلان على وجوب الاستعانة به وحده في أول حرف من كتاب الله.
فالاستعانة بالله من أكبر الأسباب في حصول المقصود، فإذا قلت "بسم الله" فمعناها أدخل في هذا العمل باسم الله، لا بحولي ولا بقوتي، بل أفعله مستعيناً بالله، متبركاً باسمه تبارك وتعالى، فإذا أحضرت في نفسك أنّ دخولك في أي عمل مستعينا بالله،فإنه يوشك لأجل هذا أن يستجيب الله لك، وأن يمكنك من تحقيق رغبتك وأمنيتك، وأن يكون عملك مباركاً تاماً، وأن يصير بينك وبين الشيطان ستر وحجاب، فهذا من بركة (بسم الله الرحمن الرحيم)، ولذا كان أول ما نزل من القرآن ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الذي خَلَقَ ﴾ [العلق:1] فيه الاستعانة، ثم نزل ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾ [المدثر:1-5] فيه العبادة.

والاسم للمسمى، قال تعالى: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى ﴾ [الأعراف:180]، ولم يُعرف عن أحد من السلف أنه قال: الاسم هو المسمى، بل هذا قاله بعض المنتسبين إلى السنة، وأنكره أكثر أهل السنة عليهم.
"اللَّهِ": اسم ذات، عَلَمٌ على ذاته تبارك وتعالى، وَكُلُّ الأسماء الْحسنى تضاف إليه كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [الأعراف:180]
"الرَّحْمَنِ": اسم ذات، قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [الإسراء:110]
فَهذان الاسمان "الله الرحمن" لا يطلقان إلا على الله، ومدار اسم الله الأعظم عليهما، فعن أَسْمَاءَ بنتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحيمُ ﴾ وفاتحة آل عمرانَ: ﴿ آلم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾" صحيح أبي داود. وأَحبُّ الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم-: " أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ: عَبْدُ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَن " صحيح مسلم. قال الكرماني: (لَيْسَ فِي أَوْصَاف الله اسم أشبه باسم الله من الرحمن، لأنهما اسمان ممنوعان أَن يُسمى بهما غير الله عز وَجل).

"الرَّحِيمِ": اسم يدل على فعل الرحمة.
فالرحمن دال على صفة الذات والرحيم دال على صفة الفعل، فالرحمن اسم ذات لا يشاركه فيه أحد والرحمة صفته، والرحيم اسم فعل يشاركه فيه غيره والرحمة فعله المتعد إلى خلقه. يقول ابن عثيمين: (فالرحمن وصفه، والرحيم فعلُه، ولو أنه جيء بـ"الرحمن" وحدَه، أو بـ"الرحيم" وحده، لشمل الوصف والفعل، لكن إذا اقترنا فُسِّر ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ بالوصف، و﴿ الرَّحِيمِ ﴾ بالفعل).
ففي ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴾ ذكر سبحانه الرحمة في أول الكتاب، وهي التي وسعت كل شيء، وعدّ بالإحسان- لا سيما وقد كررها مرة ثانية- في قوله: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، تنبيها لنا على أنّ أمره إيّانا بالاستعانة به وبعبادته رحمة منه سبحانه بنا، لأنه لمصلحتنا ومنفعتنا.
كما أنّ في البسملة الرد على القدرية الذين يقولون: (إن العبد يخلق فعل نفسه)، ولو كان ذلك كذلك، لما احتاج العبد إلى طلب العون من ربه.

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ الحمد هو الإخبارعن المحمود بصفات الجلال والكمال مع حبه وتعظيمه، وهو:
1- ذكر: عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ" صحيح مسلم
2- شكر: " عن جابر بن عبد اللَّه - رضي الله عنه - قال: قال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أفْضلُ الذِكرِ لاَ إلهَ إلا اللهُ، وأفضلُ الشُكْرِ الحَمْدُ للهِ " الصحيحة
3- دعاء: قال تعالى: ﴿ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [غافر:65]. وعن جَابِرَ بن عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَفضَلُ الدُعَاءِ الحَمْدُ لله" صحيح الترمذي.

والحمد لله هو أحق ما قال العبد، وتكراره هو الثناء: فعن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ: اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ " صحيح مسلم.
فالصلاة تفتتح بالتحميد ولا يكاد ركن يخلو منه، وتختم به "التَّحِيَّاتِ لَهُ وَالصَّلَوَاتِ وَالطَّيِّبَاتِ" وهو تحميد، ويكون كذلك بعد الصلاة، وعند الصباح والمساء والنوم، وبعد الأكل، وعند حدوث نعمة، بل حتى عند المصيبة، ولا تكاد حياة المؤمن تخلو من تحميد، لهذا فُضّل أهل التحميد عن غيرهم، فعن عن عمران بن حصين- رضي الله عنه - قَالَ: قال رَسُولُ -اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَفْضَلُ عِبَادِ اللهِ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ الحمّادُونَ" الصحيحة

وجاءت بداية الآية بلفظ: ﴿ الحَمْدُ للَّهِ ﴾ ولم تأت بلفظ: (نحمد الله)، فنحمد الله: جملة فعلية، و ﴿ الحَمْدُ للَّهِ ﴾: جملة اسمية، والجملة الفعلية دالة على الحدوث والتجدد، في حين أنّ الجملة الاسمية دالة على الثبوت. فإذا قلت: نحمد الله، أخبرت عن نفسك ومن حولك، ولم تُفِد أنَّ غيركم حمده، في زمان مُعَيّن أقصاه عمركم، في مكان مُعَيّن أقصاه أرضكم، في ملأ مُعَيّن أقصاه أمّتُكم؛ في حين أنّ عبارة ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ تفيد استحقاق الله للحمد، ولا تختص بالزمان ولا بالمكان ولا بالأعيان.

وقُدّم الحمدُ للهِ على إيَّاكَ نَعْبُدُ، لأن الشكر سبب في الإيمان، قال سبحانه وتعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ [النحل:81]، فعندما يرى الإنسان نِعَمَ الله، ويتفكر فيها ويُقدّرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإيمان، والإيمان متى رسخ واستقر في القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها،فعطف العبادة على الشكر من باب عطف المسبب على السبب. فالإيمان يدعو إلى الشكر، والشكر ينمو به الإيمان، فكل منهما ملازم وملزوم للآخر؛ ولو لم يكن من مزايا الشكر إلا أنّ النِّعم به موصولة، والمزيد لها مرتبط به، لكان كافياً، فهو حافظ للموجود من النِّعم، جالب للمفقود منها بالمزيد، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]، فبالشكر تثبت النِّعم ولا تزول، ويبلغ الشاكر من المزيد فوق المأمول، فلا يقدر العباد على القيام بحقيقة الشكر إلا بالاعتراف بالعجز عن الشكر، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل:18]،

﴿ رب العالمين ﴾ أي رب الخلق، قَالَ تَعَالَى: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ [الشعراء: 23]، فالعالم اسم عام لكل ما خلقه الله تعالى، وهو مشتق من العلامة، لأنه دلالة على خالقه، فعلى هذا يكون رب العالمين بمعنى رب الفلق؛ وقد يطلق على الناس، قال تعالى: ﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ ﴾ [الشعراء:165]، وقال: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة:47]، وينتظم المعنى الثاني والأول في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ﴾ [المطففين:6]
قال البلقيني: أجلّ صيغ الحمد: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، لأنها فاتحة الكتاب وخاتمة دعوى أهل الجنة، قال تعالى: ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين ﴾ [يونس:10].
وفي قوله ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ رد على من قال بقدم العالم، فإنّ في إثبات حمده ما يقتضي ثبوت أفعاله الاختيارية، والفعل متأخر عن فاعله، وفي إثبات ربوبيته للعالمين ما يقتضي أن كل ما سواه مربوب مخلوق بالضرورة.

﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ذكر سبحانه الحمد، وبَيَّن أنّه به تُنال الرحمة فقال ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، فإنّ أول كلمة نطق بها بشر هي: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، فعن أَنَسِ بن مالِك: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَمَّا نَفَخَ فِي آدَمَ فَبَلَغَ الرُّوحُ رَأْسَهُ عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَرْحَمُكَ الله" الصحيحة.

والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحسنى، وهي اسم: الله والرب والرحمن، فاسم الله متضمّن لصفات الألوهيّة، واسم الرب متضمّن الربوبية، واسم الرَّحْمَن مُتَضَمّن لصفات الْإِحْسَان والجود وَالْبر والحفظ والعدل، ومعاني أسمَائه تَدور على هذا.

وقد دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى رحمتان:
1- رحمة هي صفته؛ وصفاته غير مخلوقة، وإضافتها إلى الله هي من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ كما قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَحِيمِ ﴾، فهذان الاسمان متضمنان صفة الرحمة، فاسمه الرحمن يدل على الرحمة الذاتية التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها، واسمه الرحيم يدل على الرحمة الفعلية التابعة لمشيئته سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ إن يشأ يرحمكم ﴾ [الإسراء:54]
2- والرحمة الأخرى مما يضاف إليه تعالى: رحمة مخلوقة، وإضافتها إليه هي من إضافة المخلوق إلى خالقه، ومن شواهدها قوله تعالى: ﴿ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّه ﴾ [الروم:50]، وقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [آل عمران:107]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْئَسْ مِنَ الجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ" صحيح البخاري.

وفي تقديم قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴾ على قوله ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ إشارة إلى أن رحمته تعالى سبقت غضبه، كما جاء في الحديث المتفق عليه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -أنه قَالَ: قال رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلّم -: " لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"؛ يؤيد ذلك تكرار ﴿ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴾، ليُعلم أنّ العناية بالرحمة أكثرها من غيرها من الأمور وأنّ الحاجة إليها أكثر، وأنه سبحانه- هو المتفضل بها على خلقه.
كما أنّ في إثبات رحمته الرد على الجبرية الذين قالواSadإنّ الله يعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه، ولا هو من فعله، بل يكلفه ما لا يطيق ثم يعاقبه عليه)، وهذا باطل، فإن في ثبوت رحمته ما يقتضي أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا قدرة له عليه، ولا يعاقبه بما ليس من فعله.

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ مالك: أي صاحب الملك المتصرف كيف يشاء، وقُرئت ﴿ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، وهما بمعنى واحد، مثل ﴿ فرهين ﴾ و ﴿ فارِهِينَ ﴾، ﴿ حذرين ﴾ و ﴿ حاذرين ﴾، ﴿ فَكِهِينَ ﴾ و ﴿ فاكِهِينَ ﴾. وقالت طائفة بل بينهما فرق، قال الشوكاني: (والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه: أنّ المَلِكَ صِفَةٌ لذاته، والمَالِكَ صِفَةٌ لفعله).
ويوم الدين هو يوم الجزاء والحساب، وهو يوم عسير شديد، قال تعالى: ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ [المدثر:9]، وقال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ [الانفطار:17-18].
والله مالك الدنيا والآخرة، ولكن ملكه يظهر في ذلك اليوم ظهورًا ليس به خفاء، فيأتي العباد في ذلك اليوم لا يملكون شيئا، حتى ما عندهم ما يواري سوءاتهم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 104]" صحيح البخاري؛ ولا يكون في ذلك اليوم مال ولا متاع، فضلا على أن يملك أحد عن أحد أو يغني عنه شيئاً، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يومئذ لله ﴾ [الانفطار:19]، فيظهر ملكه تبارك وتعالى في ذلك اليوم ظهورًا ليس به خفاء.
وقوله في حديث قسمة الصلاة: فَإِذَا قَالَ العبد: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، قَالَ الله: "فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي" أي: صرف أمره إِلَيّ وتبرأ من نفسه لي،
قال النووي: ومطابقة هذا لقوله: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ لأنه تعالى المنفرد ذلك اليوم بالملك وبجزاء العباد ومحاسبتهم فيه. فهو المَلِكُ فيه دون دعوى غيره، وإن كان منفرداً على الحقيقة به في الدنيا والآخرة لا مالك ولا ملك سواه، والكلُّ مربوبٌ له، عبد مسخر، وذلك اليوم لا يُدّعَى للملك غيره، كما قال: ﴿ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّه الوَاحِدِ القهَّار ﴾ [غافر: 16]. وفي هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد ما لا يخفى، ومن تفويض أمور الدنيا والآخرة إليه ما هو الحق الذي لا مرية فيه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www-islamic-library.yoo7.com
 
تفسير سورة الفاتحة1
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المكتبة الاسلامية :: قسم الحديث وشرحه-
انتقل الى: