المكتبة الاسلامية

كل مايخص الاسلام
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 تفسير سورة الفاتحة2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 250
تاريخ التسجيل : 30/08/2017

مُساهمةموضوع: تفسير سورة الفاتحة2   الأحد سبتمبر 03, 2017 12:21 am

كما أنّ في قوله: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ الرد على من أنكر البعث والمعاد الجسماني والتأكيد على أنه محقق الوقوع، وإثبات يوم القيامة، وإثبات كتابة الأعمال وتدوينها وإحصائها، وإثبات محاسبة الله للعباد ومجازاته لهم على أعمالهم بالعدل، والحث على الاستعداد لهذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح، والتحذير من الكفر والمعاصي.

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾، ﴿ إِيَّاكَ ﴾: مفعول به مقدم؛ قُدِّم على عامله ﴿ نَعْبُدُ ﴾ لإفادة الحصر، أي نخصك يا ربنا بالعبادة، ونفردك بها، فلا نعبد أحداً سواك، ولا نتوجه إلى أحد غيرك كائناً من كان.
والعبادة لغة هي الذِّلة والخضوع؛ أما شرعا: (فهي كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة) كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
ولفظ "العبادة" من الألفاظ العامة التي تدخل فيها شعب الإيمان جميعًا، قال القاضي عياض: (تكلَّفَ جماعة حصر هذه الشُّعب بطريق الِاجتِهاد، وأقربها إلى الصواب طريقة بن حِبَّان، وَهو أنَّ هَذه الشُّعب تتفرّع عن أَعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن).

• أعمال القلب فيها المعتقدات والنيات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة: الإيمان بالله، ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه. والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشرّه، والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه: المسألة في القبر، والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار. ومحبة الله، والحب والبغض فيه، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه: الصلاة عليه، واتباع سنته. والإخلاص، ويدخل فيه: تَرْكُ الرياء والنفاق. والتوبة، والخوف، والرجاء، والشكر، والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل، والرحمة، والتواضع، ويدخل فيه: توقير الكبير، ورحمة الصغير. وترك الكِبر والعجب، وترك الحسد، وترك الحِقد، وترك الغضب.
• أعمال اللسان، وتشتمل عَلَى سبع خصال: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم، وتعليمه، والدعاء، والذكر، ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللغو.
• أعمال البدن، وتشتمل عَلَى ثمان وثلاثين خصلة:

♦ منها ما يختص بالأعيان، وهي خمس عشرة خصلة: التطهير حساً وحكماً، ويدخل فيه: اجتناب النجاسات. وستر العورة، والصلاة فرضاً ونفلاً، والزكاة كذلك، وفكّ الرِّقاب، والجود، ويدخل فيه: إطعام الطعام، وإكرام الضيف. والصيام فرضاً ونفلاً، والحج، والعمرة كذلك، والطواف، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر، والفرار بالدين، ويدخل فيه: الهجرة من دار الشرك. والوفاء بالنذر، والتحري في الأيمان، وأداء الكفّارات.
♦ ومنها ما يتعلق بِالِاتِّبَاع، وهي ست خصال: التعفُّف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين، وفيه اجتناب العقوق. وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة أو الرفق بالعبيد.
♦ ومنها ما يتعلق بِالْعَامَّةِ، وهي سبع عشرة خصلة: القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه: قتال الخوارج والبغاة. والمعاونة على البِر، ويدخل فيه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإقامة الحدود، والجهاد، ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس، والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة، وفيه جمع المال من حلِّه. وإنفاق المال في حقه، ومنه ترك التبذير والإسراف. وردّ السلام، وتشميت العاطس، وكفّ الأذى عن الناس، واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق.

فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسعا وسبعين خصلة، باعتبار إفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر، والله أعلم.

كما تدخل العبادة في الأمور المباحة كالأكل والشرب والنّوم ونحو ذلك، فهذه المباحات مما يفعله الإنسان جِبِلّة، إن فعلها تقربًا إلى الله تعالى، وامتثالًا لأمره، وصيانة للنفس، وبهدف التقَوِي على طاعة الله تعالى، وإظهارا لنعمته تعالى على العبد، كل ذلك عبادة لله تعالى، وبهذه النيّة والقصد الحسن تكون جميع أعمال العبد المباحة من عادات ونحوها عبادات، بينما قد تصبح عبادات كثيرين أشبه شيء بالعادات، بسبب الغفلة، وعدم استحضار النيّة والقصد الحسن، ولهذا يُقال (المُوَّفقون عاداتهم عبادات، والمخذولون عباداتهم عادات)، والمُوَّفق من وفقه الله بحيث حياته كلها تدخل ضمن العبادة.

ولا بد لصحة العبادة من توفر شرطين:
1- الإخلاص لله: كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ أي نخصك بالعبادة ونخلصها لك، ونتبرأ من الشرك وأهله ووسائله، وقوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ [الزمر:2]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ " صحيح مسلم.

2- متابعة شرع الله على وفق ما جاء به رسوله: قال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ " متفق عليه، وذلك بأن تكون العبادة وفق ما شرع الله من حيث الجنس والقدر والصفة والزمان والمكان والسبب، فلا يكفي أن يكون المسلم مخلصا وجادا فيما يعمل ولا تكفيه حسن نيته، بل لا بد - بالإضافة إلى ذلك - أن يكون منهجه منهجا سويا سليما وصحيحا مستقيما، ولا يتم ذلك على وجهه إلا باتباع ما كان عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وصحابته رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ومن خالف ذلك فقد ضل سواء السبيل، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء:115]، وعن العرباض بن سارية قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا قَالَ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عبدا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ من يَعش مِنْكُم يرى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" صحيح أبي داود.

وكما قرن الله عبادته بالإخلاص، فقد قرنها بأعمال هي أُمُّ العبادات، من باب عطف الخاص على العام لمزية الخاص.
♦ فقد قرنها بالتوكل، فقال: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه ﴾ [هود:123].
♦ وقرنها بالرجاء، فقال: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ [العنكبوت:36].
♦ وقرنها بالصبر، فقال: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾ [مريم:65].
♦ وقرنها بالشكر، فقال: ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الزمر:66].
♦ وقرنها بالتقوى، فقال: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت:16].
♦ وقرنها بالصلاة، فقال: ﴿ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه:14].
♦ وقرنها بالزكاة، فقال: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة:5].
♦ وقرنها بالدعاء، فقال: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر:60].

وكما جعل الله مَعِيَّتَه الخاصة لأنبيائه، في قوله تعالى- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة:40]، وقوله تعالى- لموسى وهارون: ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ [طه:46]،
♦ فقد جعلها لعباده المتقين، فقال: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة:194]
♦ وجعلها لعباده الصابرين، فقال: ﴿ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال:46]
♦ وجعلها لعباده المصلين والمزكِّين، فقال: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ [المائدة:12]
♦ وجعلها لعباده الذاكرين: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي" متفق عليه
♦ وجعلها لعباده المؤمنين، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال:19]
♦ وجعلها لعباده المحسنين، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت:69]
وهذه الآيات تدل -مع العلم المحيط- على العناية بمن تعلقت بهم تلك المعية، وأنّ الله معهم بعونه وحفظه وكلاءته وتوفيقه، فما استجلب العبد من الله من إعانة بأعظم من اشتغاله بعبادة الله، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ [النساء:66-68]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة:153]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد:7]، وقال: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه ﴾ [الطلاق: 2-3] وقال: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125].

وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم -: "وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ، مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ " صحيح مسلم
وقال: " مَنْ أَخَذَ دَيْنًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ، أَعَانَهُ اللهُ - عز وجل" الصحيحة.
وقال: " ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " صحيح التِّرْمِذِيّ
وقال: "إِنَّ لِلْمَسَاجِدِ أَوْتَادًا، الْمَلَائِكَةُ جُلَسَاؤُهُمْ، إِنْ غَابُوا يَفْتَقِدُونَهُمْ، وَإِنْ مَرِضُوا عَادُوهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ أَعَانُوهُمْ" صحيح الترغيب والترهيب
وقال: " أَلَا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ؟ تُسَبِّحِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، حِينَ تَأْخُذِينَ مَضْجَعَكِ" صحيح مسلم.
وقال: "مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ ثُمَّ يَكُبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ " صحيح مسلم. والذمّة هي الضمان وقيل الأَمان، (فما ظنّ من يؤذي المؤدّين لهذه الصلاة من العوام والدعاة والعلماء بالقول والفعل؟).

وقال عن صلاة الضحى: قال اللَّهُ تَعَالَى: " يَا ابْن آدم اركع لي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ: أَكْفِكَ آخِرَهُ ". صحيح الترمِذي
وقال: "أتُحِبُّ أنْ يلينَ قلبُك، وتُدرِكَ حاجتَك؟ ارْحَمِ اليتيمَ، وامسَحْ رأْسه، وأطْعِمْهُ مِنْ طَعامِك؛ يَلِنْ قلبُكْ، وتُدرِكْ حاجتَك" الصحيحة
وقال للذي قال له أجعل دعائي كله صلاة عليك: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ" صحيح الترمذي

فامتثال أمر الله ورسوله يجلب عون الله، كما يُدرك العبد عون الله باجتناب ما نُهي عنه، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: " يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ ، لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا " صحيح مسلم.
فمن التزم عبودية الله، أعانه عليها، وكلّما كان العبد أتمّ عبوديّة كانت الإعانة له من الله أعظم.

﴿ وإياك نستعين ﴾ كرّر إِيَّاكَ ليكون أدلّ على الإخلاص والاختصاص والتأكيد، كقوله الله تعالى خبرا عن موسى: ﴿ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ﴾ [طه:33-34]، وقدّم الضمير لحصر الاستعانة بالله وحده،
والاستعانة لغة هي طلب العون، فالألف والسين والتاء للطلب، ومعناها أن العبد استنفذ الأسباب التي عنده في أن يقوم بالعمل، فلما عجز استعان بغيره.

أمّا شرعا فالاستعانة بالله هي دعاء المسألة، ودليل ذلك:
• أنّ الله ذكر الاستعانة، ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإنسان من جلب نفع أو دفع ضر.
• قوله تعالى في الحديث القدسي: "فَإِذَا قَالَ: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ"، فالاستعانة مسألة؛ وهذه الآية قد جمعت بين إجابة الداعي في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وإعطاء السائل في ﴿ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فعَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي، ثُمَّ دَعَا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى" صحيح أبي داود. ففرْق بين الداعي والسائل، وَبين الإجابة والإعطاء، وهو فَرْق بالعموم والخصوصِ، وإذا جُمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب لجلب المنفعة ودفع المضرة بصيغة السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر وإن لم يكن هناك صيغة سؤال، ولفظ الدعاء في القرآن يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة، وكل عابد سائل وكل سائل عابد، كما جاء في صحيح الترمذي من حديث ابن عباس "إذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ وَإذَا اسْتعَنتَ فَاسْتَعنْ بِالله". قال محمد بن عبد الوهاب عن هذا الحديث في كتابه "المطلب الحميد في بيان مقاصد التوحيد": (وفيه معنى ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾)

• الحديث الذي رواه ابن حبان والذي بوّب فيه -باب من لا يستطيع أخذ الفاتحة- حيث جاء فيه عن ابن أبي أوفى أنه قال: جاء رجل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَعَلَّمَ القُرْآنَ، فَعَلِّمُنِي مَا يُجْزِئنِي مِنَ القُرْآَن. قال: "قُلْ: سُبْحَانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ ولا إلهَ إلاَّ اللهُ واللهُ أكبرُ ولا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بالله" قال: هَذَا لِلَّهِ، فَمَا لِي؟ قَالَ: "قُلْ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي" صححه الألباني في التعليقات الحسان.

• قوله سبحانه وتعالى متحديا الخلق: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء:88] -ظهيرا أي معينا- ثم زاد في تحد ثان فقال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [هود:13]، ثم زاد في تحد ثالث فقال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [يونس:38]، فقوله ﴿ وَادْعُوا ﴾ أي واستعينوا، فالدعاء بمعنى الاستعانة، والاستعانة بمعنى الدعاء: كما في وصية موسى لقومه لِمَا لَقَوه من أذى فرعون، قال تعالى: ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128]، وهي الوصية التي أوصاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمّته لِمَا سيلقون بعده من جور السلطان، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: "تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ" صحيح مسلم. وعن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ" صحيح البخاري.

• الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ أنّه قال عَن أَبِيهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، إِنْ عَجَزْتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَتِ، مَنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: "وَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ".
فالدعاء أحب العبادات وأكرمها على الله، عن أَبِي هريرة- رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قَالَ: "لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ من الدعاء" صحيح الترمذي؛ والتقي هو أحب العباد وأكرمهم عند الله، قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات:13]. فمن استجاب لربه بامتثال أمره ونهيه فهو الأولى بالقبول، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة:27]، وهو الذي يحصل مقصوده من الدعاء، كما قال سبحانه: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [الشورى:25]؛ وإنّ العاجز كل العجز من عجز عن الدعاء، فعَن أَبِي هرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ الدُّعَاءِ، وَأَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ" الصحيحة.

وقُرنت العبادة بالاستعانة للجمع بين ما يتقرّب به العبد إلى اللَّه تعالى، وبين ما يطلبه من جهته، كما صح عند مسلم من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه - أنه قال، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ واسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجَزْ"، والمقصود من هذا الاقتران هو أن يكون القلب متعلقاً بالله عز وجل من جهة الغاية ومن جهة الوسيلة الموصلة إليه، كما قال سبحانه وتعالى لرسوله: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر:3]
وقال سبحانه عن إبراهيم: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 127]
وقال سبحانه عن موسى: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [القصص:16]
وقال سبحانه عن شعيب: ﴿ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾ [الأعراف:89]
وقال عن ملائكته: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ [الشورى:5]
وذُكرت الاستعانة بعد العبادة مع أن الاستعانة من العبادة من باب ذكر الخاص بعد العام، وتقديم حقه تعالى على حق عباده وحاجتهم، ومن باب تقديم الغاية المقصودة على الوسيلة، وتقديم الأهم على المهم، وإلا فقد عُلم أنّ العمل لا يقوم إلا بعون الله، لأنّ العبادة لا سبيل إليها إلا بالمعونة، والمعان على العبادة لا يكون إلا عابداً، فكل واحد مرتبط بالآخر: لا عمل إلا بمعونة ولا معونة إلا تتبعها عبادة، فلم يكن أحدهما أولى بالتقديم من الآخر؛ قال الطبري: (سواءٌ قول القائل: اللهم إنّا إياك نعبد فأعنَّا على عبادتك، وقوله: اللهم أعنَّا على عبادتك فإنّا إياك نعبد).

فالعبد المؤمن إذا أذنب يأتي بالتوبة التي هي عبادة، ويسأل الله المغفرة التي هي استعانة، لأنه لا يستطيع أن يغفر ذنوب نفسه، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [آل عمران:135]، والتوبة هي نفسها عون من الله للعبد، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾ [التوبة:118]، والدعاء عبادة، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60] صحيح أبي داود؛ فاللّه سبحانه هو الذي يقذف في قلب عبده حركةَ الدعاء، ويجعلها سببا للخير الذي يعطيه إياه، فهو الذي وَفّقه للتوبة ثم قبلها، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، كما قال سبحانه: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [السجدة:5]، فالعبادة محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدا، حتى يقضي العبد نحبه؛ فالعبادة والاستعانة متلازمتان، فلا تتحقق أحداهما دون الأخرى، فالعبادة تكون سبباً للمعونة من وجه، والمعونة تكون سبباً للعبادة من وجه آخر، فكل منهما سبب ومسبب وعلة ومعلول.
وجيء بالنون في الفعلين؛ نعبد...نستعين، لقصد الإخبار من الداعي عن نفسه وعن جنسه من العباد من حاضري صلاة الجماعة، أو من الموحِّدين، أنه قد أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم، وخلط حاجته بحاجتهم، لعلّها تقبل ببركتها، وتجاب، ولهذا شرعت الجماعة.

كما أنّ في ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ الرد على المشركين الذين يدعون غير الله ليشفعوا لهم عنده في جلب نفع أو دفع ضر، فما ظنك بمن دعاهم أنفسهم ليرزقوه وينصروه كما هو الواقع من عباد القبور؟ كما أنّ في نسبة العبادة والاستعانة إلى العباد، دليلا على أن ذلك من فعلهم، وأن لهم على ذلك قدرة واختيارًا ومشيئة، وأن العبد حقيقة هو العابد والمستعين، قال بعض السلف من أقر بـ، ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فقد برئ من الجبر والقدر.

﴿ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ الهداية في اللغة هي الدلالة بلطف، أما في الشرع فهي الإرشاد إلى الخيرات وهي على منازل:
• هداية عامة: بإعطاء العبد القوى التي بها يهتدي إلى مصالحه، إما تسخيراً، وإما تعليماً، قال تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ﴾ [الانسان:3]، وقال: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾ [فصلت:18]
• هداية خاصة: بتوفيق وتسديد يوليه الله صالحي عباده بما اكتسبوه من الخيرات، كقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ [العنكبوت:69].

والصراط لغة هو الطريق. ويقال: الصراط، والزراط، والسراط، من سرطت الطعام: إذا ابتلعته، وسُمي الطريق بذلك تصوراً أنّه إما أن يبتلعُه سالكُه، أو يبتلعَ هو سالكَه. و" المستقيم ": القائم بالقسط أو المعتدل الذي لا اعوجاج فيه، فوصفه بالاستقامة يتضمن قربه، لأن الخط المستقيم هو أقرب خط فاصل بين نقطتين.
أما شرعا فالصراط المستقيم هو دين الإسلام، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام:161]، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَعَنْ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرَخَاةٌ، وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: اسْتَقِيمُوا عَلَى الصِّرَاطِ وَلَا تَعْوَجُّوا، وَفَوْقَ ذَلِكَ دَاعٍ يَدْعُو كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ ". ثُمَّ فَسَّرَهُ فَأَخْبَرَ: " أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَأَنَّ الْأَبْوَابَ الْمُفَتَّحَةَ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَأَنَّ السُّتُورَ الْمُرَخَاةَ حُدُودُ اللَّهِ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ مِنْ فَوْقِهِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤمن" صحيح الترغيب والترهيب.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www-islamic-library.yoo7.com
 
تفسير سورة الفاتحة2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المكتبة الاسلامية :: قسم الحديث وشرحه-
انتقل الى: