المكتبة الاسلامية

كل مايخص الاسلام
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 تفسير سورة الفاتحة3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 250
تاريخ التسجيل : 30/08/2017

مُساهمةموضوع: تفسير سورة الفاتحة3   الأحد سبتمبر 03, 2017 12:22 am

وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم هو أخص الدعاء وأسنى المطالب، فقد ذكر سبحانه العام وهي العبادة، ثم الخاص وهو الدعاء، ثم طلب الهداية وهو الأخص، وهذا كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ" صحيح ابن ماجة، وكقوله: "يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟" متفق عليه.
وذكر سبحانه الصراط المستقيم مفردًا معرّفًا تعريفين، تعريفا باللام وتعريفا بالإضافة في الآية التالية، وذلك يفيد تعينه واختصاصه، وأنه صراط واحد، وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنها كثيرة ومتشعبة، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّه، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَقَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ" ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام:153] صحيح النسائي.

قد يقال: إن المؤمنين مهتدون، فما معنى طلب الهداية؟ والجواب أنّ المطلوب هو أمران:
1- الثبات على ما اكتسبوا من الهداية.
2- زيادة الهداية، لأن الألطاف والهدايات من اللّه تعالى لا تتناهى، قال تعالى ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا ﴾ [مريم:76]. نعم، قد حصل للمؤمنين هدى مجمل، ولكن تطرأ عليهم يوميا شهوات وشبهات تجعلهم مفتقرين في كل ساعة وحالة إلى الله في تثبيتهم على الهداية ورسوخهم فيها وازديادهم منها واستمرارهم عليها، لهذا هم مأمورون بطلبها في اليوم أكثر من أي دعاء آخر، يقول ابن تيمية: (حاجة العباد إلى الهدى أعظم من حاجتهم إلى الرزق والنصر، بل لا نسبة بينهما، فلهذا كان هذا الدعاء مفروضا عليهم في الصلاة- فرضها ونفلها- وأيضا فإن هذا الدعاء يتضمن الرزق والنّصر: لأنه إذا هدي الصراط المستقيم كان من المتقين ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق:2-3] وكان من المتوكلين ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ * إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ ﴾ [الطلاق:3]، وكان ممن ينصرُ اللهَ ورسولَه، ومن نَصرَ اللهَ نصرَهُ، وكان مِن جُنْد الله، وجند الله هم الغالبون؛ فالهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر، فتبيّن أن هذا الدعاء هو الجامع لكل مطلوب تحصل به كل منفعة، وتندفع به كل مضرة).

كما أنّ الثبات على الصراط المستقيم في هذه الدنيا والمسارعة فيه، هو المعيار بالنسبة إلى صراط يوم القيامة، يقول ابن القيم: (على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط. فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطّرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشدّ الركاب، ومنهم من يسعى سعيا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم المخدوش المسلّم، ومنهم المكردس في النار. فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا، حذو القذّة بالقذّة جزاء وفاقا: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾، ولينظر الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم، فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط، تخطفه وتعوقه عن المرور عليه، فإن كثرت هنا وقويت، فكذلك هي هناك ﴿ وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾.

﴿ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ ذكر سبحانه الصراط في الآية السابقة وَلم يذكر السالكين، فأعاده مع ذكرهم فَقَالَ ﴿ صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم ﴾، وقوله: ﴿ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾: هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء:69]، أَي الذي سلكه النبيونَ والمؤمنون ولهذا كُرر للتأكيد والإشعار بأن الصراط المستقيم هو صراط النبيين ومن تبعهم من المؤمنين، ليكون ذلك شهادة لصراطهم بالاستقامة على أبلغ وجه وأوكده. وجعل الإنعام في صِلة "الَّذِينَ"، وَالغضب والضلال في صِلَةِ "أَلْ"، لِأَنَّ صِلَةَ "الَّذِينَ" تَكون فعلا فيتعيَّن زمانه، وَصِلة "أَلْ" تكون اسمًا فيَنْبَهِمُ زمانُه، والمقصود هو طلب الهدايَة إلى صراط من ثبت إِنعامُ اللَّه عليه وَتَمَّ، فقد أتمَّ الله تعالى نعمته على إبراهيم- صلى الله عليه وسلم - وذريته، فقال: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [يوسف:6]، وأتمَّها على نبينا - صلى الله عليه وسلم - فقال: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ [الفتح:2]، وأتمّها على صحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين في حجة الوداع يوم عرفة، فقال: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة:3]، فرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم ومن سار على هديه واستنّ بسنّته: من الذين أنعم الله عليهم ﴿ من النبيين والصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صعد أُحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - فرجف بهم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اسْكُن أُحُد فإنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصدِّيقٌّ وَشَهِيدَان" صحيح البخاري، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان على جبل حِراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، فَتَحَرَّكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْكُنْ حِرَاءُ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيد" صحيح مسلم.

فالطريق الموصل إلى الله واحد، لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق، وهو ما كان عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، وما جاء به علما وعملا، وكل ذلك مُسَلّم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، دون آراء الرجال، فكل علم أو عمل خرج من مشكاة النبوة، فهو من الصراط المستقيم، وما لم يكن كذلك فهو من صراط أهل الغضب وهي طريق من عرف الحق وعانده، وطريق أهل الضلال، وهي طريق من جهل الحق فضَلَّ عن سواء السبيل، فعن عوف بنِ مالِك، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "الْجَمَاعَة" صحيح ابن ماجة. وفي رواية مبينّة للجماعة: قَالَ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي" صحيح الترمذي

﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ ذكر سبحانه الغضب محذوفا فاعله والضلال منسوبا إلى من قام به، وذكر النعمة مضافة إليه، فالذي يضاف إلى الله تعالى كله خير وحكمة وعدل. والشر ليس إليه، قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم: "يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ، يَرْفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُ" صحيح ابن ماجة. فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى وكلاهما خير لا شر فيه بوجه.
وفسّر رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من هم المغضوب عليهم والضالون فقال: " الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمُ الْيَهُودُ، وَالضَّالِّينَ النَّصَارَى" الصحيحة، فانقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به إلى ثلاثة أقسام: من علم الحق وعمل به، ومن علم الحق ولم يعمل به، ومن جهل الحق فلم يعمل به.
قال ابن القيم: (لأن العبد إما أن يكون عالما بالحق، وإما جاهلا به، والعالم بالحق إما أن يكون عاملا بموجبه أو مخالفا له، فهذه أقسام المكلفين لا يخرجون عنها البتة، فالعالم بالحق العامل به هو المنعم عليه، وهو الذي زكى نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وهو المفلح ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ [الشمس: 9]، والعالم به المتبع هواه هو المغضوب عليه، والجاهل بالحق هو الضال، والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل، والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل، فكل منهما ضال مغضوب عليه، ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصف الغضب وأحق به، ومن هنا كان اليهود أحق به، وهو متغلظ في حقهم).

فكل من كان عنده علم فلم يعمل به، بل اتبع هواه، وجانب شرع الله عن علم وبصيرة ففيه شبه من اليهود، ومتوعد بالغضب بقدر معصيته، وله منه نصيب بقدر شبهه فيهم. وكل من عبد الله على غير دليل، وإنما عبده بالبدع والمحدثات والخرافات، به شبه من النصارى وموصوف بالضلال على قدر معصيته، وله نصيب منه بقدر شبهه فيهم، لهذا كان السلف يقولون: (من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى). وقال ابن تيمية رحمه الله: إنّ المسلم ليقول في اليوم والليلة أكثر من سبع عشرة مرة ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴾ ولكنه مع ذلك قد يكون من المغضوب عليهم ومن الضالين بلسان حاله وفعاله.

كما اشتمل قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ وما بعده إلى آخر السورة الرد على جميع طوائف الكفر والضلال، والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة، وذلك على سبيل الإجمال، لأنّ الحق في معرفة ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - والسير على نهجه، وما عداه من المسالك والسبل الملتوية والمعوجة مردودة باطلة.

هذا، وقد جمعت سورة الفاتحة جلّ أنواع التوسل المحمودة:
• توسل إلى الله بحمده على نعمه وإحسانه: في ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾، وكقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم لْيَدْعُ بعد بما شاء" صحيح أبي داود
• توسّلٌ إلى اللَّه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا: (اللَّه، رب العالمين، الرحمن، الرحيم، مالك يوم الدين)، وكما سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فَقَالَ: "دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ" صحيح أبي داود.
• توسل إلى الله بإظهار الضعف والحاجة والافتقار والتبرؤ من الحول والقوة: في ﴿ الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين ﴾.، وكما قال أيوب عليه السلام: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 83] وقال موسى: ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ [القصص:24].
• توسل إلى الله بتوحيده: في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، وكما توسل يونس: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87].
• توسل إلى الله بالأعمال الصالحة في: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾. وكما في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فسدت عليهم باب الغار فلم يستطيعوا الخروج، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم.

• توسل إلى الله بدعاء الصالحين الأحياء: في ﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴾ كما كان الصحابة إذا أجدبوا طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم، ولمّا تُوفِي صاروا يطلبون من عمه العباس رضي الله عنه فيدعو لهم، وهكذا يقدم الإمام للصلاة ويؤمنُّ على دعائه المأمومون، وقد يكون في الجماعة من هو مستجاب الدعوة فيستجاب له فيهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما يَنصرُ اللهُ هذه الأمةَ بضعيفِها؛ بِدَعوتِهم وصلاتِهم وإخلاصِهم" صحيح الترغيب والترهيب.
ويستفاد من هذا أنه كلما أكثر الداعي-المنقاد لأوامر الله، المعظم لحرماته- من أنواع التوسل إلى اللَّه تعالى، كان أرجى له في قبول دعائه، قال ابن كثير: (وهذا أكمل أحوال السائل، أن يمدح مسؤوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا أرشدنا الله إليه لأنه الأكمل).

فإذا ختم القارئ في الصلاة قراءة الفاتحة، أجاب الله دعاءه فقال: "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"، وحينئذ تؤمّن الملائكة على دعاء المصلي، فيشرع للمصلين موافقتهم في التأمين معهم، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: "إذا قال الإمام: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴾ فقولوا: آمين، يجبكم الله" صحيح مسلم، وعن أَبِي هريرَة رضي اللَّهُ عنه قال: قال رسول اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: " إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تقدم من ذَنبه" متفق عليه.
فاجتمعت جُلّ شروط الدعاء، وآدابه، ومستحباته في هذه السورة على إيجازها، فحُقَّ لها أن تُسمَّى: "أمّ القرآن".
فمن أراد أن يجني ثمار هذه السورة الكريمة، فليستحضر كل كلمة يقرأها، وما دلّت عليه من معنى، وليستحضر أنّ رب العالمين مقبل عليه بوجهه، ويرد عليه جواب ما يناجيه به كلمة كلمة، ومن كان هذا شأنه فسوف يفتح الله عليه باباً عظيماً من أبواب الخشوع، وقرّة العين، ولذة القلب، وانشراح الصدر، والتوفيق إلى الإحسان، المؤذن للإجابة والقبول.

تمت بحمد الله وحسن توفيقه، والله أعلم بالصواب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www-islamic-library.yoo7.com
 
تفسير سورة الفاتحة3
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المكتبة الاسلامية :: قسم الحديث وشرحه-
انتقل الى: